استقرار أسعار الذهب وتباطؤ الطلب العالمي .. بعد تهدئة أزمة غرينلاند

سجلت أسعار الذهب العالمية حالة من الاستقرار خلال التعاملات الأخيرة، بالتزامن مع انحسار التوترات السياسية المرتبطة بملف غرينلاند، وهو ما أدى إلى تراجع الإقبال على الأصول الآمنة التي كانت قد دفعت المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية غير مسبوقة خلال الفترة الماضية.
وبعد موجة صعود قوية، هدأت وتيرة الطلب على الذهب، مع عودة قدر من الهدوء للأسواق العالمية، ما انعكس على حركة الأسعار التي استقرت قرب قممها التاريخية دون تسجيل اختراقات جديدة.
سعر الذهب يقترب من قمته التاريخية
بلغ سعر الذهب نحو 4825 دولارًا للأونصة، وهو مستوى يقل بنحو 15 دولارًا عن أعلى ذروة تاريخية سجلها المعدن النفيس خلال عدة جلسات متتالية. ويعكس هذا الأداء حالة التوازن بين عمليات جني الأرباح من جهة، واستمرار الطلب الاستثماري طويل الأجل من جهة أخرى.
ويرى محللون أن استقرار الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة يعكس قوة الزخم الذي اكتسبه الذهب خلال الأشهر الماضية، رغم تراجع المخاوف الجيوسياسية نسبيًا.
تراجع حدة الأزمة السياسية يدعم هدوء الأسواق
جاء هذا الاستقرار في أعقاب تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تهديده بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية، عقب التوصل إلى ما وصف بـ”إطار لصفقة مستقبلية” بشأن غرينلاند، وذلك خلال محادثاته مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته.
وكانت سياسة التصعيد التي اتبعتها الإدارة الأميركية في ملف غرينلاند قد تسببت في توتر دبلوماسي مع أوروبا، وأثارت قلق المستثمرين في الأسواق المالية، ما عزز آنذاك الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين.
ومع تراجع حدة هذه المخاوف، خف الضغط الشرائي على الذهب، لتدخل الأسعار في مرحلة من التماسك السعري.
مكاسب قوية للذهب خلال الفترة الماضية
رغم الهدوء الحالي، لا تزال مكاسب الذهب على المدى المتوسط قوية، إذ ارتفع المعدن النفيس بنحو 5 في المئة خلال أسبوع واحد فقط، مدعومًا بالتوترات الجيوسياسية التي دفعت الأسعار إلى تسجيل مستويات قياسية متتالية خلال العام الماضي.
وحقق الذهب مكاسب تجاوزت 70 في المئة خلال العام الماضي، واستمر هذا الزخم الصعودي في الأسابيع الأولى من عام 2026، مدفوعًا باضطرابات المشهد الجيوسياسي العالمي، إضافة إلى الضغوط السياسية المتزايدة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ما أثر على الثقة في الدولار ودعم أسعار المعادن النفيسة.
مخاوف بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي
زاد من حالة القلق في الأسواق الجدل المتعلق بمحاولات التدخل في عمل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بعد إثارة قضية تتعلق بمحاولة إقالة إحدى محافظي البنك المركزي، وهو ما قوبل بتحفظات من قضاة المحكمة العليا الأميركية.
وأعرب قضاة من اتجاهات سياسية مختلفة عن مخاوفهم من أن تؤدي هذه الخطوات إلى المساس باستقلالية السياسة النقدية الأميركية، الأمر الذي قد يربك الأسواق المالية العالمية. ومن المنتظر صدور قرار قضائي بشأن هذه القضية خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين للأسواق.
خبراء: المشترون يدعمون الأسعار عند أي تراجع
قال نيكولاس فرابل، المدير العالمي للأسواق المؤسسية لدى إحدى شركات تكرير المعادن في سيدني، إن اللقاء الذي جمع بين الرئيس الأميركي والأمين العام لحلف شمال الأطلسي ساهم في تهدئة التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن أسعار الذهب لا تزال تحظى بدعم قوي من المشترين عند أي تراجع سعري، وهو ما يقلل من احتمالات الهبوط الحاد، ويُبقي الاتجاه العام للأسعار مائلًا إلى الاستقرار المرتفع.
غولدمان ساكس يرفع توقعاته لأسعار الذهب
في السياق ذاته، رفعت مؤسسة “غولدمان ساكس” توقعاتها لسعر الذهب بنهاية العام إلى 5400 دولار للأونصة، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى 4900 دولار.
وأرجعت المؤسسة هذا التعديل الصعودي إلى تنامي الطلب من المستثمرين الأفراد والبنوك المركزية، إضافة إلى استمرار حالة الضبابية السياسية والاقتصادية عالميًا، ما يدفع المستثمرين إلى تنويع محافظهم الاستثمارية وزيادة مخصصاتهم في الذهب.
أداء قوي للفضة والمعادن النفيسة الأخرى
لم يقتصر النشاط على الذهب فقط، إذ شهدت أسعار الفضة ارتفاعًا ملحوظًا لتتجاوز مستوى 94 دولارًا للأونصة بعد تقلبات حادة خلال الجلسات السابقة. ويعود هذا الارتفاع إلى موجة مشتريات واسعة من المستثمرين الأفراد، إضافة إلى اضطرابات في تغطية المراكز المكشوفة في الأسواق العالمية.
كما سجلت أسعار البلاتين والبلاديوم مكاسب محدودة، في حين استقر مؤشر الدولار الأميركي دون تغير يُذكر، ما ساهم في دعم أسعار المعادن المقومة بالدولار.
نظرة مستقبلية على حركة أسعار الذهب
يرى محللون أن أسعار الذهب قد تستمر في التحرك ضمن نطاقات مرتفعة خلال الفترة المقبلة، مع احتمالية حدوث تقلبات مرتبطة بالتطورات السياسية العالمية وقرارات البنوك المركزية، خاصة ما يتعلق بأسعار الفائدة والسياسات النقدية.
كما أن استمرار الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين قد يوفر دعمًا قويًا للأسعار في حال حدوث أي تراجعات مؤقتة، بينما يبقى العامل الجيوسياسي عنصرًا حاسمًا في تحديد الاتجاه العام للمعدن النفيس.




