اخبار الخليج

تراجع الجنيه السوداني يشعل موجة غلاء والتضخم يفاقم الأزمة المعيشية

تراجع الجنيه السوداني يشعل موجة غلاء، في ظل غياب الاستقرار النقدي وتراجع فاعلية المؤسسات الرسمية، يجد المواطن السوداني نفسه في مواجهة مباشرة مع سوق مضطربة تتحكم فيها تقلبات العملة وتوسع اقتصاد الظل. ولم يعد الجنيه السوداني مجرد وسيلة للتداول، بل تحول إلى مؤشر واضح على عمق الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بفعل الحرب، وأدت إلى تآكل الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.

منذ اندلاع الصراع المسلح، دخلت العملة المحلية في مسار هبوطي متسارع أفقدها جزءًا كبيرًا من قيمتها، ما فتح الباب أمام موجات تضخم حادة انعكست مباشرة على أسعار الغذاء والوقود والدواء والنقل والخدمات الأساسية. وأصبح المواطن مضطرًا لإعادة ترتيب أولوياته المعيشية والتخلي عن كثير من الاحتياجات التي كانت تُعد أساسية في السابق، في ظل ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة الحياة اليومية.

تراجع قيمة الجنيه وتوسع اقتصاد الظل

أدت حالة عدم اليقين الاقتصادي وضعف الرقابة على الأسواق إلى توسع السوق الموازية للعملات وتحولها إلى اقتصاد موازٍ فعلي يحدد سعر الصرف بعيدًا عن القنوات الرسمية. ومع استمرار تراجع الثقة في العملة المحلية، اتجه الأفراد والتجار إلى الاحتفاظ بالدولار والذهب كوسيلة للتحوط، ما زاد من حدة المضاربة وساهم في تعميق أزمة التضخم.

ويرى مختصون أن غياب الاستقرار النقدي وعدم اكتمال إصلاحات القطاع المصرفي أسهما في استمرار تداول كتل نقدية كبيرة خارج النظام الرسمي، الأمر الذي فاقم الضغوط التضخمية وأضعف قدرة الدولة على التحكم في المعروض النقدي.

اختلال السياسات النقدية وتأثير الحرب على الاقتصاد

يشير خبراء اقتصاديون إلى أن سعر الدولار كان عند مستويات أقل بكثير قبل تصاعد النزاع، في ظل سياسات هدفت إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف. إلا أن استمرار الحرب أضعف هذه السياسات، وتسبب في تراجع تدريجي للجنيه، قبل أن يشهد قفزات حادة خلال الفترات اللاحقة.

وأدى توجيه جزء كبير من الموارد نحو الإنفاق العسكري، إلى جانب تراجع الإيرادات العامة، وبطء المعالجات الحكومية، إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد. كما ساهم عدم استكمال عمليات إصلاح النظام النقدي والاعتماد المحدود على الدفع الإلكتروني في بقاء كميات كبيرة من النقد خارج الدورة المصرفية، ما أدى إلى تفاقم معدلات التضخم وارتفاع مستويات الفقر والبطالة.

تضخم مرتفع وتآكل القوة الشرائية

تشير بيانات اقتصادية إلى أن معدلات التضخم في السودان سجلت مستويات قياسية خلال الفترة الماضية، مع تراجع محدود في بعض الفترات نتيجة ضعف الطلب وانخفاض القدرة الشرائية. إلا أن هذا التحسن النسبي لم ينعكس فعليًا على حياة المواطنين، في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية وسعر السوق الموازي.

وقد فقد المواطن السوداني نسبة كبيرة من قوته الشرائية خلال فترة قصيرة، بينما أصبحت الرواتب، خصوصًا في القطاع الحكومي، غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية سوى لأيام معدودة. وأدى ذلك إلى اعتماد الأسر بشكل متزايد على التحويلات والدعم العائلي والعمل غير الرسمي، مع خفض مستويات الاستهلاك إلى الحد الأدنى.

قطاعات الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار

تأثرت عدة قطاعات حيوية بشكل مباشر من موجات الغلاء، في مقدمتها التعليم، والسلع الغذائية، والخدمات الصحية، والسكن والطاقة، إضافة إلى النقل، نتيجة الاعتماد الكبير على الواردات وارتفاع تكاليف التشغيل. كما أدى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي وتضرر البنية التحتية إلى تقليص المعروض السلعي، ما زاد من الضغوط السعرية.

حلول مقترحة لإنقاذ الاقتصاد واستقرار العملة

يرى خبراء أن الخروج من دائرة التضخم وتدهور العملة يتطلب توجيه الاقتصاد نحو دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وضبط الكتلة النقدية، والحد من التمويل بالعجز عبر طباعة النقود دون غطاء إنتاجي. كما يشددون على أهمية تطبيق سياسات مالية رشيدة تشمل إصلاح النظام الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وخفض الإنفاق غير الضروري، مع حماية الفئات محدودة الدخل.

وتشمل المقترحات أيضًا دعم المزارعين بمدخلات إنتاج منخفضة التكلفة، وتشجيع الزراعة التعاقدية، وإعادة هيكلة المشروعات الصغيرة والمتوسطة للحد من البطالة، وزيادة المعروض من السلع والخدمات.

الركود التضخمي وتحديات المرحلة المقبلة

يواجه الاقتصاد السوداني ما يُعرف بحالة الركود التضخمي، حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع ضعف النمو الاقتصادي. ويؤكد مختصون أن السيطرة على التضخم تتطلب إما تدخلاً نقديًا مباشرًا لتعزيز الاحتياطيات وزيادة الصادرات، أو تحسنًا سياسيًا وأمنيًا يسمح بعودة النشاط الإنتاجي.

كما طُرحت أفكار بديلة مثل إطلاق أوعية ادخارية مغطاة بالذهب داخل الجهاز المصرفي، بهدف تقليل الإقبال على الدولار وكبح المضاربات في السوق الموازي، دون ضخ سيولة نقدية إضافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى